محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

167

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

أيضا إنّ كلا السدين هما جبلان يقعان بين أرمينيا وأذربيجان . وبعض اللغويين العرب المولعين بالفانتازيا أو بالخيال المجنّح الذي لا ضابط له راحوا يعتقدون بأن يأجوج ومأجوج اسمان مشتقّان من أجّج : أي توهّج أو توقد ، وموج : أي موجة ، أو من أجّ : أي سار بسرعة . . إلخ ، أما المصطلحات الأخرى التي تشكّل صيغا نادرة في القرآن من قبيل : صدفين ، قطر ، زبر الحديد . . إلخ ، فقد فسّرت طبقا للمجريات المعتادة لعلم المعاجم العربية « 1 » . إنّ كل هذه النتائج الحاصلة عن التفسير الإسلامي القديم تمثّل مجمل المعرفة التي شكّلها المسلمون عن القصص الواردة وعن المعنى الشمولي لسورة الكهف . وهذه النتائج ليست إلّا تكريسا عن طريق الكتابة وعن طريق رأي « العلماء » لتلك الثقافة الشعبية العتيقة التي ظلّت حيّة في منطقة الشرق الأوسط بفضل النقل الشفهي الذي كان الطبري لا يزال يعكس صيغته ومجرياته . وعندما نقول الكتابة ، فإننا نقصد بها هنا الرسم الخطّي بالمعنى

--> - يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا . والثاني من سورة الأنبياء : حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ . هكذا نجد أن القرآن يتحدث عن مجيئهم والخراب الحاصل بسببهم . ثم يربط بينهم وبين القصة الأسطورية للإسكندر المقدوني الذي يعتقد بأنه بنى سدا لاحتوائهم . ( 1 ) كانت القراءة الفيلولوجية والتاريخوية قد صحّحت المماثلات أو الشروحات « الخاطئة » للتفسير الإسلامي القديم . وقد فعلت ذلك بشكل خاص عن طريق الإحالة إلى ملحمة غلغاميش ورواية الإسكندر التي كانت تحقيقاتها المختلفة قد دعيت بال - . p seudocallisthene انظر بهذا الصدد كتاب أ . آبيل : رواية الإسكندر : 1955 ، Bruxelles ، dAlexandre Roman Le : A . Abel ؛ وانظر أيضا الموسوعة الإسلامية ، الطبعة الثانية ، مادة « خضر » : ( ( Khadir ) ) . s . v ، . ed e 2 ، Islam de . Encyclopedie في الواقع ، إنّ القرآن لا يستمد قصصه أو حكاياته بشكل مباشر من ذلك المركّب المعقّد والعتيق لأساطير وادي الرافدين ، والأساطير الحثّية ، والأناضولية ، والأوغاريتية ، والكنعانية ، والمصرية ، كما هي الحال بالنسبة للعهد القديم ( التوراة ) . فكما كتبت لي الباحثة فرانسواز سميث - فلورنتان ، فإنه ينبغي بالأحرى أن تفكّر « باستعادة صيغة أخرى من صيغ تراث الشرق الأوسط القديم . ويمثّل هذه الصيغة تزاوج بين تراثين : الأول يهودي نزوي أو أهوائي يعبّر عن نفسه من خلال الخط المدراشي « المنفلت » لإعادة القراءات الشعبية للشريعة اليهودية المتخذة كتراث ، والثاني يتمثّل بذلك المعجم المسيحي الغريب السائد في أديرة الرهبان ونزعتها التقوية إلى الورع والعبادة . وهذا الخط أيضا سوف يصبح بدوره « مدرسانيا » عما قريب . . . » ( المقصود بالمدراش هنا التفسير اليهودي التقليدي للتوراة ) . ينبغي أن نضيف إلى كل ذلك ما يلي : حتى لو توصلنا بشكل دقيق إلى الكشف عن جميع التراثات الثقافية القديمة التي « أثّرت » في القرآن ، فإننا لن نستطيع أن نفسّر آليّة الاشتغال الدلالية أو السيميائية للخطاب القرآني الذي يستخدم أسماء الأعلام ، والقصص ، والكلمات النادرة من أجل تدشين انطلاقة جديدة للشيفرة المنطقية - المعنوية في اللغة العربية . سوف نعود إلى هذه المسألة في وقت لاحق .